ما يجري بل يسري ويتجذر في مجتمعنا

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

ليس جديدا أن يسعى كل شخص لتطوير نفسه، والحصول على خبرات جديدة، ورفع كفاءته في مجاله، لتتكاثر فرصه بحياة أفضل، هذا ديدن البشرية ”جمعاء”، بل إن الذي لا يفعل، ويسعى هذا السعي قيل عنه بأنه ”يعش أبد الدهر بين الحفر”.

أنا من قوم يفعلون كل ما عليهم فعله في إطار السعي المذكور، كلما كانت الفرصة متاحة، ولدي سيرة ذاتية تتردد بين الصفر وذروة متواضعة، وهي متواضعة لأن القوم الذين أتشرف بالانتساب إليهم، لديهم بعض الثوابت والقيم، ومن أهمها أن السعي علينا لكن النتائج ”على الله”، فلا نشترط نتائج إيجابية مهما قدمنا من سعي وجهد، إلا أن يشاء الله فهو الرازق المغني المحيي المميت..

ما يجري بل يسري ويتجذر في مجتمعنا، ثقافة جديدة من السعي، ولا أقول جديدة إلا لأنها أصبحت معلنة، ويعتبرها كثيرون مشروعة ولا يوجد غيرها لتحصيل المكاسب والمناصب والرواتب، بعد ان كان مجتمعنا وكل المجتمعات التي تحتكم لمنظومة أخلاق وقيم..كانت تعتبر هذه الثقافة أمراضا اجتماعية، مثل الحقد والحسد والابتزاز، لكنها اليوم أصبحت تتخذ تسميات غير معقولة، كأن يقول المتحدث من خلالها بأنه ناشط وإعلامي ويقول عن نفسه أيضا صحفيا، أو يستطيب القول بأنه فقير ابن بلد وابن ”قريته” او ابن خالته، ومن حقه أن يتأوه بتعبير هو في حقيقته حقد و”قلة حيلة”، وربما جهل مقيم.

لا أدعي بأن الأخبار التي يتم تناقلها حول بعض التعيينات وبعض الرواتب عادية، حين اتحدث الى مجتمع يعاني مشاكل اقتصادية وغيرها، لكنني بلا أدنى شك مندهش من حجم وزخم الحديث المقتصر على الارقام، حيث لا يكاد فرد واحد في المجتمع إلا وقال ”قولته” حول الرواتب والمناصب والمكاسب، وأنا أيضا قلتها ووظفتها لإبراز تساؤلات تتقصى توضيح ازدواجية في نظر وسلوك أصحاب قرار أعني بعض القرارات المتعلقة بالتعيينات وتحديد الرواتب لا سيما المرتفعة أو ”الفلكية” كما يقال.

الأمر المزعج جدا في الموضوع، أن هذه الثقافة أصبحت تنجح كثيرا في تحقيق مكاسب لناقليها ومروجيها والمتحدثين بها، وهذا هو الجانب الأوحد الذي يمكننا التحدث عنه، وهو متعلق بالحكومات والمؤسسات الرسمية، فالتشوهات أو الأخطاء صدرت من قرارات رسمية، والإذعان لحملات الابتزاز والتشويه والاستعراض والمزايدة، أيضا تستجيب لها الحكومات وبعض الرسميين في مؤسساتها، حيث يصبح مشروعا ومنطقيا السؤال ”دخلك ما في بهذا البلد غير فلان وابن فلان تعينوه وتنقلوه من موقع لآخر أفضل؟!”.. ولا يمكن للحكومات او من قرر تلك القرارات تبرير تعيين او نقل او ترفيع أو مكافأة الشخص المقصود، لأنه جاء نتيجة ضغوطات ما من أطراف وجهات ما، وقد يكون المتحدث ”الفقير وابن الفلاح”، هو واحد من هذه الجهات الضاغطة وهو لا يعلم، فهو قد يشارك في تأليب الرأي العام ”المبتز” ضد شخص ما لصالح آخر لا يستحق، وقد يحمي فاسدا ويشارك في ترفيعه وترقيته وفرضه على الدولة والمجتمع قبل فرضه على الحكومات أو يظلم ناجحا يستحق الأفضل.

لا يوجد إعلام راشد يوازي ويجابه هذه الثقافة التي تتجدد وتتطور وتكبر كل يوم، إعلام؛ ينير قلوب وعيون الناس بالحقائق، ويجنبهم الغوص في هذا المستنقع الرديء من الانتقاد السطحي المتراكم في وجه دولة، لم يعد بمقدورها الاستمرار في تنفيذ أجندتها الوطنية الرسمية، حتى القضاء في هذه الدول، يصبح ضعيفا أمام قضايا الرأي العام، وينحاز لرأي الجموع الكبيرة، فيهتم بقضية ويسرع في الحكم فيها، بينما تسير إجراءاته طبيعية في قضية قد تكون حقوقية وتعطّل مصالح الناس، وأهم من تلك التي تم تهييجها وترفيعها ليصبح حسمها مصلحة وطنية عليا، تستوجب نفير السلطات كلها.. والسبب كما قلنا ”قضية رأي عام”، مع تمام علم الجميع بأنه قد يكون رأيا مريضا أو يقوده مبتزون أو هو مجرد إشاعات.. لكن النتيجة ابتزاز دولة.

وهذه واحدة من تجليات الخدعة التي تنطلي على دول تفقد إعلامها، وترتكب الأخطاء إرضاء لمعارضيها حتى لو كانت مطالبهم مكاسب ومناصب ورواتب.. وشفاء غليل بتخسير بعض الناجحين حقوقهم.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.