غيلاد: خاطرة صباحية في السياسة والكياسة

عادة ما نسمع في لقاءاتنا السياسية، أو في الجلسات التي تبحر في الأحاديث السياسية، دعوة إلى التبصر والتسليم بالاختلاف ودعم فكر الحوار واحترام الرأي المخالف. ويقرن ذلك كله بالدعوة إلى تحمل المسؤولية السياسية والتأطير المطرد للناس وللشباب. غير أن هذه الأحاديث والمبادئ سرعان ما تنقلب رأسا على عقب كلما انزوت العشيرة السياسية إلى ذويها أو كلما عنت للشريك فرصة ليسجل ما يعتبره “أهدافا” ولو كانت قصيرة المدى عديمة المعنى.وقد زاد من حدة الأمر التسارع نحو العوالم الرقمية والشبكات الاجتماعية، لعلها تعوض العجز المبين في التأطير وفي الحركة. ولم يجد الناس في الأمر حرجا، إذ لجأوا إلى تعويض العمل التأطيري والميداني بنقر الأصابع وتصيد الهفوات. وشر ما نتج عن ذلك نعت الشباب والكهول الذين يتم توظيفهم في هذا التعويض “بالذباب” [الذبان] الإلكتروني، وأخطر ما نجم عنه تقليص قوة التأثير وسرعة استهلاكها ومحو آثارها. ولذلك، أحسب أن التأثير والوقع اللذان كانت تعول عليهما أطراف من هنا ومن هناك، قد تبخر وتقلص إلى حد كبير. تقلص لأن الآلة الطاحنة للشبكات ومنطق استغلالها للمعلومة والمصادر والمعطيات الشخصية مكنها من التحكم في مآل التشهير والحملات بإطفاء جمراتها، حسب الهوى والرياح التي تديرها وتدبرها الشركات العملاقة. يصح ذلك بالنسبة للدول والمؤسسات، كما يسري على الأفراد والمجموعات. ويكون من السهل محو الأثر كلما اتسعت مظلة التفاهة التي يعبر عنها المصدر وتابعوه. وسوف نلاحظ كيف أن التأثير لم يعد في يد المعلق التائه، بل أصبح يستحوذ عليه الفاعل الذي يمزج بين عمل ما [قد يكون حركة أو احتجاجا أو رسما لطريق] وخطة تواصلية حوله. ولذلك سوف نلاحظ أن العالم الأزرق – مثلا – أصبح يقلص تأثير دوائر الأفكار المحدودة والقفشات الشخصية الشاردة لفائدة الدوائر التي تشتغل وتنشط كخلية حاملة للأفكار ومفيدة للأعمال. وكلما كانت الفكرة مفتوحة مؤسسة على استنبات ممكنات جديدة كلما طفت فوق السطح وأصبحت مستنبتا تحدث التأثير المأمول وفق سلمية من القيم يتم توزيعها وإعادة توزيعها بشكل يضمن لها تواترا إيجابيا في نهاية المطاف. عكس القفشات التي تولد في كنف الحلم المجهض أو الأفكار المحدودة.والأفكار المحدودة تكون في الغالب لصيقة بالفكر المعتوه. وهذا الأخير غالبا ما ينجم عن جهل مبطن مقرون بأنانية غير مأمونة ولا موزونة. ولأنه فكر محدودب، فإنه يصل دائما متأخرا عن مواعيده، أو عن الوصول إلى مبتغياته. صنف من هذا الفكر يقتله الظل وصنف آخر يقتله الغل وما تبقى تمحو تردداته الحياة. فالانبساط كالماء يخفي المساحات المحدودبة ويمطط السطح الذي لا يبالي لأنه ميال للاستواء. هكذا كان الأمر، ولن يغير الزمن منه شيئا ولو تغيرت وسائل التواصل. وخير مثال عن ذلك أن نقد التفاهة ونثر حكماء البلاهة يزول بدورة واحدة من دورات إعادة عرض الصفحات فيكون أصحابها قد أضاعوا وقتهم وما بدلوا تبديلا. ولذلك، وجب رد الاعتبار للعمل وربط التواصل بالحركة وربط السياسة بالكياسة؛ لأن العالم يتفرج على مسرحياتنا السيئة ويسجل أقوالنا ويقلص زمننا وقد يرغب الواحد منا أن يعود عن غيه، فيجد أن ما أراد تصحيحه قد نسيته الإبهامات لفرط ما مر بشاشاتها من معلومات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.