من قرية صغيرة بالجنوب إلى رئيس قسم الصيانة بشركة جنيرال موتورز

1

حين جالسته وطيلة ساعتين لم تفارقه تلك الابتسامة التى تعكس عمق ارتياحه واستعداده لسرد تفاصيل شريط زمني عمَّر أكثر من 31 سنة كأنها البارحة… تبهرك هذه الذاكرة بحدة وصفها للأحداث وتواريخ الأمكنة والشخوص… يجعلك تعيد النظر والتأمل أكثر في سر وقوة ذلك.. لتكتشف أن الأمر كان طبيعيا حين نعرف أن هذا المسار الحياتي بدأ مبكرا عند سي محمد بوفكوس الذي يتّمَه القدر وفقد أباه في سن ثماني سنوات.. لينطلق بعدها مسلسل البحث عن العمل.. عوض مقعد داخل القسم.. طبعا خارج دوار بيزوران الذي ازداد بها سنة 1941. .
كانت الهجرة الأولى نحو الرباط… انتقل بين ما يشبه المهن هنا وهناك حتى استقر أخيرا بمخبزة متخصصة في الحلويات.. تعاشر مع جماعة من أبناء المنطقة ولمدة سنوات ليستيقظ ذات صباح سبعينيات القرن الماضي فيجد الجميع قد غادروا إلى فرنسا.. بعد حصولهم على (الباسبور -والكونتراد)…
لقد تغير كل شئء.لدى مهاجرنا. شاردا طيلة أسابيع يبحث عن معارف ونفوذ من أجل الحصول على جواز السفر.. إلى أن رمق أحد جيرانه وهو في دردشة مع عميد شرطة بالمدينة قادمين إلى المخبزة من أجل كعكة ميلاد ابن الكومسير… لتكون بذلك ميلاد الهجرة الثانية نحو فرنسا..
وأنت تتابع الحكي…تستنتج أنه لا يعرف بالمرة الى أين ذاهب.. فتمتزج أحاسيس الفرحة بالرهبة والخوف والغموض..وهو يتابع مقدمة الباخرة التي تخترق البوغازنحو المجهول…صام عن الكلام رغم محاولات مرافقه الذي عاش نفس التجربة…
لم يهتم كثيرا بالأصوات الخارجية بل انطوى على نفسه وبدأ يبحث عن أجوبة بل مفاتيح إيجاد موقع له داخل هذا العالم الجديد الذي بدأيزداد غموضا وعتمة…كلما توقفت السيارة بإحدى المحطات لتناول الطعام… وإذا كان عائق اللغة مطروحا بحدة في مثل هذه الحالات.. فالأمر يقاس بتجربته بالرباط وهو القادم إليها بلغته الأصلية بلكنته السوسية واستطاع أن يتجاوز ذلك في وقت قياسي…أما بالنسبة للعمل فلا خيار لأنه لم يترك وراءه الاكنز واحد هي والدته التي ما زالت تعتقد أن ابنها موحماد بالرباط وهو على مشارف هونداي…ليتذكر مبلغ 15 درهم كنصيبه من بيع البقرة الوحيدة لدى جدٌته حتى يتمكن من تغطية سفره إلى الرباط…تذكَّر بحرقة كل أنواع الحرمان والفقر وقلة الحاجة… تذكرذلك ليقنع نفسه أن لا سند له إلا الله وجديته في العمل…
وهو في هذا المونولوج طيلة يومين ونصف من الطريق استطاع الآن أن يطمئن وهو محاط بعمال من نفس الإقليم هناك ب( جانڨيليي)
لم يمكث طويلا حتى نودي إلى العمل… يستحضر جيدا تفاصيل ذلك اليوم كانت الخامسة صباحا وهو يسمع جيدا وبتركيز عميق إلى مرافقه الذي توسط له.. يستعرض أمامه رقم الحافلة من وإلى.. وكيفية طبع التذكرة ووو… أمّا طبيعة العمل فلا يخرج إلا عن تلك التي يرفض الأجانب الاشتغال فيها… ولمدةثلاثة أشهر وهو في هذه الحالة… لا توقيت قار بل رهن الإشارة في كل الأوقات وقد يكون أحيانا منتصف الليل.. بل وقد تتجاوز ساعات العمل العمل أثنى عشر ساعة في اليوم.. كل ذلك كان هيّنا بالنسبة إليه وهو يعدّ ولمرات عديدة أجرته الأولى ليزداد حماسا وحيوية ولما لا وهو يقارن بين أجرته بالمغرب التي لا تتعدى 60 درهم في الشهر وبين 70 الف فرنسية…
ثلاثة أشهر أيضا كانت كافية لدى رئيسه لما لامسه من جدية وتفان وانضباط.. بل وما لاحظه من قدرة على التكيف والاندماج وهو يحاول جاهدا أن يتلفظ بلغة موليير… كانت كافية أن يطير مهاجرنا فرحا حين سمع بعين برجة التي تعني لدى العمال المغاربة الفحص الطبي كوثيقة ضرورية بملف (الكونتراد) أي عقدة العمل…
في رمشة عين رغم طول المسافة عبر الحافلة وجد نفسه بانزكان نحو الدوار بشتوكة ايت باها.. ليطلب من والدته مباركة عمله الجديد… ومنها إلى عين برجة ثم القطار نحو مصنع سيارات من نوع أوبيل التابع لشركة موتورز…هو نوع لم يسمع به إلا في أغنية الرايس الفطواكي ( ونَّا اران الزين اف 100 دينارى… احي إسْغا اوبيل آر سيس اتدواري)
أصبح الآن تحت التجريب ولمدة سنة بعمل قار وسط هذه الآت العملاقة وفق قوانين العمل من حيث الساعات ونظام الأجرة والتعويضات دون الحديث عن التغطية الصحية والتأمين.. واستطاع بفعل ذكائه الخارق أن يرتقي بسرعة قياسية في مستويات العمل كما في معجمه اللغوي الوظيفي بالخصوص..
ليستغل إجازته الأولى بالعودة إلى الديار مزهوّا بما كان يعتبر علامة الغنى والتبرجز منها صينية ب 45كأس وأخرى ب 35.. مع كل مستلزماتها وخاصة الشاي من النوع الرفيع وبكميات… ن
نعم لا تنسوا أننا في بداية سبعينيات القرن الماضي وما يعني ذلك من امتياز دون أن ينسى والدته.. وأقاربه… جاء من أجل إزالة وحشة الغربة لكن أيضا كان فرصة للزواج وإصلاح المنزل وتجهيزه.. وهو يعود ما زال يسمع دعوات والدته بالتوفيق والنجاح.. هي الدعوة التي استجاب لها الله لكي يصبح بعد 30 سنة المسؤول الأول في هذا المصنع الضخم عن أهم قطعة غيار بالسيارة وهي ( المشغل / demaroure).. فضلا عن الاستعانة به أحاببن أخرى في ضبط الفرامل وموابح السيارة… وقد يناسبه ذلك وهو الذي فرمل كل شهوات الحياة وإغراءات النفس من أجل الادخار لأجل عائلته الصغيرة ومحيطة العائلي خصوصا وقد أصبح أباً يفكر في مستقبله ابنه الدراسي…
وفي هذه النقطة المتعلقة بالادخار وفي غياب فروع بنكية مغربية كان العمال هناك يضعون مدخراتهم لدى بعض التجار السوسيين إلى حين وصول عطلة الصيف… ويحكي لك بزهو ملحوظ كيف أن الثقة كانت أهم عملة متداولة بين الطرفين.. بقي الوضع بهذه الكيفية إلى بداية الثمانينيات ليتوجه الجميع نحو مؤسسة البنك الشعبي وبالصفوف من أجل إيداع مدخراتهم…
كانت تلك الساعتين التى قضيتها مع سي محمد بوفكوس كافية لتعرف أن سر نجاحه كما يؤكد لك هو مجموعة القيم الأخلاقية التي تربى وسطها أهمها الصدق والثقة والأمانة في القول والفعل.. هي أيضا الإيمان والعزيمة بقدراتك..وهو يقفل سنته الخامسة والسبعين تلاحظ بالفعل أنه لا ينظر كثيرا إلى هذا الغنى واليسر المادي بقدر ما يوصي ابنه على هذه القيم الإنسانية المشتركة كجسر تواصلي بين كل الشعوب والأمم ايّا كانت مللهم ولغتهم..
ليبقى في ذاكرتي بعد توديعه هذا الإهمال الذي طال الرعيل من المهاجرين المغاربة الذين تركوا بصمات سلوكية نمودجية في بلاد المهجر.. كما في علاقتهم بالوطن…من خلال عائداتهم وبالعملة الصعبة… حتى أن بعض مستخدمي البنك المغربي هناك يوزع كل يوم أحد على أمثال سي محمد لعبة الورق من أجل الإلهاء واللعب خوفا تجنبا لأي تسوق واستهلاك..
بقي في ذاكرتي أيضا هذا هذه الحصانةالتربوية الأخلاقية التي كان
يتمتع بها مجتمعنا المغربي بروحها الإسلامي الحنيف قبل أن يخترقنا هذا الفكر الظلامي..
بقي في ذاكرتي أن هذا الرجل الذي خرج ب 15درهم نحو الرباط.. وهو ينظر إلى رصيده الان…يحمد الله على نعمه..
وأكثرها.. نفعا هي ابتسامته وطيبوبته وتواضعه.

تعليق 1
  1. حمزة يقول

    قصة رائعة وملاهمة للغاية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.